أحمد مصطفى المراغي

131

تفسير المراغي

وفي ذلك إيماء إلى اقتداره وقهره وبيان ما ألفه وضري به من تعذيب الناس بأنواع العذاب ، كما فيه تحقير لشأن موسى واستضعاف له مع السخرية منه . ثم لما صال عليهم بذلك وتوعدهم هانت عليهم أنفسهم في اللّه . ( قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ ) أي لن نختارك بالإيمان والانقياد على ما جاءنا من اللّه على يد موسى من المعجزات التي اشتملت عليها العصا . وفي هذا إشارة إلى أن فرعون طلب منهم الرجوع عن الإيمان بموسى ، وإلا فعل بهم ما أوعدهم به . ( وَالَّذِي فَطَرَنا ) أي لن نختارك على ما جاءنا من الهدى ، وعلى فاطرنا وخالقنا الذي أنشأنا من العدم ، إذ هو المستحق للعبادة والخضوع ، لا أنت . ولما علموا أنهم متى أصروا على الإيمان ، فعل فرعون ما أوعدهم به قالوا : ( فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ ) أي فافعل ما شئت ، وما وصلت إليه يدك فوعيدك لا يزحزحنا عن إيماننا واطمئناننا بما صرنا إليه . ثم بينوا ما لأجله يسهل عليهم احتمال ذلك فقالوا : ( إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا ) أي إنما لك تسلط علينا في هذه الدار دار الزوال ونحن نرغب في دار البقاء . وقصارى ردهم - إنك إنما تصنع ما تهوى في هذه الدنيا فحسب ، وإنا لا نأبه بنعيمها ، ولا نرهب عذابها . ( إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ) أي إنا آمنا بربنا المحسن إلينا طوال أعمارنا ، ليستر ما اجترحنا من الذنوب والآثام ، ولا سيما ما أكرهتنا عليه من السحر لنعارض به آيات اللّه ومعجزاته . روى الحسن أن السحرة الذين حشدوا من المدائن ليعارضوا موسى ، أحضروا مكرهين ، وأكرهوا على إظهار السحر ، وروى أن رؤساء السحرة كانوا اثنين وسبعين ، اثنان منهم من القبط ، والباقون من بني إسرائيل أكرههم فرعون على تعلّم السحر .